أبي حيان الأندلسي

556

البحر المحيط في التفسير

أن ذلك جار على ما شاء اللّه ، إلا أن ذلك على حسب الاستحقاق ، لا التكرمة ، ولا الهوان . ومعنى فَهُوَ يُخْلِفُهُ : أي يأتي بالخلف والعوض منه ، وكان لفظ من عباده مشعرة بالمؤمنين ، وكذلك الخطاب في وَما أَنْفَقْتُمْ : يقصد هنا رزق المؤمنين ، فليس مساق . قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ : مساق ما قيل للكفار ، بل مساق الوعظ والتزهيد في الدنيا ، والحض على النفقة في طاعة اللّه ، وإخلاف ما أنفق ، إما منجزا في الدنيا ، وإما مؤجلا في الآخرة ، وهو مشروط بقصد وجه اللّه . وقال مجاهد : من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد ، وأن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم له قليل ، وهو ينفق نفقة الموسع عليه ، فينفق جميع ما في يده ، ثم يبقى طول عمره في فقر ولا يتأتى . وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ : في الآخرة ، ومعنى الآية : ما كان من خلف فهو منه . وجاء الرَّازِقِينَ جمعا ، وإن كان الرازق حقيقة هو اللّه وحده ، لأنه يقال : الرجل يرزق عياله ، والأمير جنده ، والسيد عبده ، والرازقون جمع بهذا الاعتبار ، لكن أولئك يرزقون مما رزقهم اللّه ، وملكهم فيه التصرف ، وللّه تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ، ومن إخراج من عدم إلى وجود . وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً : أي المكذبين ، من تقدم ومن تأخر . وقرأ الجمهور : نحشرهم ، نقول بالنون فيهما ، وحفص بالياء ، وتقدمت في الأنعام « 1 » . وخطاب الملائكة تقريع للكفار ، وقد علم تعالى أن الملائكة منزهون برآء مما وجه عليهم من السؤال ، وإنما ذلك على طريق توقيف الكفار ، وقد علم سوء ما ارتكبوه من عبادة غير اللّه ، وأن من عبدوه متبرئ منهم . و هؤُلاءِ مبتدأ . وخبره كانُوا يَعْبُدُونَ ، و إِيَّاكُمْ مفعول يَعْبُدُونَ . ولما تقدم انفصل ، وإنما قدم لأنه أبلغ في الخطاب ، ولكون يَعْبُدُونَ فاصلة . فلو أتى بالضمير منفصلا ، كان التركيب يعبدونكم ، ولم تكن فاصلة . واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان عليها إذا كان جملة ، وهي مسألة خلاف ، أجاز ذلك ابن السراج ، ومنع ذلك قوم من النحويين ، وكذلك منعوا توسطه إذا كان جملة . قال ابن السراج : القياس جواز ذلك ، ولم يسمع . ووجه الدلالة من الآية أن تقديم المعمول مؤذن بتقديم العامل ، فكما جاز تقديم إِيَّاكُمْ ، جاز تقديم يَعْبُدُونَ ، وهذه القاعدة ليست مطردة ، والأولى منع ذلك إلى أن يدل على جوازه سماع من العرب . ولما أجابوا اللّه بدءوا بتنزيهه وبراءته من كل سوء ، كما قال عيسى عليه السلام : سُبْحانَكَ ، ثم انتسبوا إلى موالاته دون أولئك الكفرة ، أي أَنْتَ وَلِيُّنا ، إذ لا موالاة بيننا وبينهم .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 128 .